الحاجة إلى إمدادات المياه هي أم الاختراع

“تخلت المملكة العربية السعودية في العام الماضي عن برنامج إنتاج القمح الممتد لثلاثة عقود والذي مكَّنها من أن تصبح أحد أكبر عشرة منتجين في العالم، وذلك لأنّ المحصول السنوي كان يستنزف بوتيرة سريعة موردًا حيويًا أكبر: ألا وهو الماء.

وقد سلَّطت موجات الحر غير المسبوقة هذا العام في أجزاء من الشرق الأوسط الضوء على اعتماد بلدان هذه المنطقة على إمدادات المياه الشحيحة في منطقة تمتد من الخليج القاحل إلى الصحراء الكبرى. ويُنظر إلى التنافس من أجل المياه على أنه يشكِّل تهديدًا باندلاع الصراعات كما هو الحال بالنسبة لسياسات النفط.

وفي تقرير نُشر في شهر أغسطس عن الأمن المائي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ألقى البنك الدولي باللوم على الاستهلاك المتزايد والإدارة غير الملائمة وضعف إنفاذ القانون من بين العوامل المؤدية إلى استنزاف الموارد المائية – لا سيما المياه الجوفية – بمعدّل لم يسبق له مثيل.

ويدفع حجم المشكلة وخطورتها الحكومات والشركات الخاصة والعلماء إلى تطوير حلول مبتكرة لهذه المشكلة المزمنة ووضع استراتيجيات استثمارية جديدة.

ولا تكاد المخاوف المتعلقة بالأمن المائي تكون جديدة؛ إذ إنّ قانون حمورابي ملك بابل الذي يعود إلى أربعة آلاف سنة، وهو أول خلاصة وافية مكتوبة للقوانين، كان يفرض غرامات على المزارعين الذين لا يلتزمون بنظم الري المتبعة.

ومنذ ذلك الحين ظلت تلك المشكلات الأساسية قائمة. ولكن تحديات القرن الحادي والعشرين تختلف من حيث الحجم ويمكن اختزالها في عملية حسابية بسيطة: المنطقة تستهلك المياه بمعدّل أسرع من معدّل استبدالها.

وفي ظل توقع تضاعف عدد سكان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا البالغ عددهم حاليًا 400 مليون نسمة على مدى السنوات الخمسين المقبلة، فما هي التدابير بعيدة المدى التي تتخذها الحكومات لمعالجة الأزمة؟

تبنت الحكومات في بعض المناطق الأكثر جفافًا في الإقليم منذ فترة طويلة خيار تحلية المياه المكلف نسبيًا من أجل تلبية الطلب على المياه. وتعد المملكة العربية السعودية هي الدولة الأولى عالميًا في مجال تحلية المياه، حيث تمتلك 27 محطة حول سواحلها، وتخطط لإنفاق نحو 25 مليار دولار بحلول عام 2020 لتوسيع قدراتها في هذا المجال.

ومن ناحية أخرى، اتجهت الحكومات، في أماكن أخرى، نحو استخدام الطاقة الشمسية بدلًا من احتياطيات الهيدروكربون الثمينة لاستخراج المياه العذبة من البحر. ويتجه السعوديون وغيرهم إلى خصخصة هذا القطاع للمساعدة في المشاريع المستقبلية.

ومن المقرر أن تُباع محطة رأس الخير لتحلية المياه التي تبلغ قيمتها 7.2 مليارات دولار، والتي تعد أكبر محطة تحلية في العالم، بحلول نهاية هذا العام، فيما يتوقع أن يكون مقدمة لبيع أصول أخرى مملوكة للدولة.

وقد دعت شركة الماء و الكهرباء السعودية مؤخرًا المطورين من القطاع الخاص إلى التعبير عن مدى اهتمامهم بمشروع جديد يُسمى مشروع تحلية المياه بالتناضح العكسي شمال جدة والذي سينتج بعد اكتماله 1.2 مليون متر مكعب من المياه يوميًا.

ويسعى المستثمرون الإقليميون أيضًا إلى الاستحواذ على حصص في الشركات الدولية الرائدة في قطاع المياه، فاستحوذت شركة ممتلكات، وهي شركة استثمارية بحرينية، العام الماضي على حصة كبيرة من شركة إنفيروجن البريطانية في صفقة من شأنها أن تساعد شركة معالجة المياه المتخصصة على توسيع نطاق عملياتها في جميع أنحاء منطقة مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

في الوقت ذاته، يتعاون العلماء في المنطقة مع الشركاء الخارجيين في بحوث المياه. ويشارك المجلس الثقافي البريطاني في تمويل المشاريع البحثية المشتركة بين المملكة المتحدة والخليج والتي تشمل تحلية المياه والإدارة المستدامة للنفايات.

ولا تقتصر أوجه التقدم التكنولوجي على تحلية المياه بتكلفة أقل أو بكفاءة أكبر، إذ عزز الطلب على المياه سوق مولدات المياه الجوية، ويُقصد بها تلك الوحدات الصغيرة التي تستخرج المياه الصالحة للشرب من الهواء. وهو قطاع تهيمن عليه شركات عالمية مثل شركة هندركس كوربوراشن ومقرها كاليفورنيا وشركة ووترماكر إنديا.

وفي الوقت الذي تجتذب فيه آفاق الاستثمار والمبيعات في منطقة الشرق الأوسط اهتمام الشركات العالمية على نحو متزايد، تنقل جمعية المياه المنتَجة المدعومة صناعيًا مقر انعقاد الندوة السنوية للمهندسين والعلماء إلى أبوظبي بدلًا من مقر انعقادها المعتاد في هيوستن.

وبعيدًا عن الخليج، أصبح الأردن محور البحث التكنولوجي في قطاع المياه. ففي هذا البلد الذي عجَّ بتدفق اللاجئين على مدى العقد الماضي، يقل الاستهلاك السنوي للفرد الواحد عن 150 مترًا مكعبًا، وهو ما يمثِّل سدس المياه المتاحة للفرد في الولايات المتحدة.

ويعمل العلماء في الأردن على ما يسمى بتقنية “”الري بالتنقيط”” ذات الضغط المنخفض، والتي ترفع كفاءة ري المحاصيل باستخدام مقدار طاقة أقل من طرق التنقيط السابقة.

أما في إسرائيل المجاورة، وهي المبتكرة لتقنية الري بالتنقيط، فيجري الاعتماد على ري جذور النباتات كل على حدة بدلًا من الإسراف بإغراق الحقول بالماء، حيث توفر شركة “”نيتافيم”” الرائدة في هذا القطاع أجهزة استشعار محوسبة ترصد الاحتياجات المائية للمحاصيل.

ووسط تنبؤات بأنّ المناطق التي تعاني ندرة في المياه داخل نطاق الشرق الأوسط قد تصبح قريبًا غير صالحة للسكن بسبب نقص المياه، فإنّ هذه التقنيات وغيرها من الاستراتيجيات والتقنيات الأخرى تمثّل على الأقل مجهودًا مبدئيًا لوقف نزاع المياه الإقليمي.”