حقل الغاز الطبيعي شرقي البحر المتوسط تخيِّم عليه تعقيدات التشابك الدبلوماسي

“خلال عقد من التنقيب البحري في شرق البحر الأبيض المتوسط، اكتشفت شركات الطاقة احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي والتي يمكن أن تحدث نقلة في ثروات الدول الإقليمية وتوفر إمدادات بديلة لأوروبا المتعطِّشة للطاقة.

الآن، بات هناك سلسلة توريد جديدة للغاز تتمتع بعوامل جذب واضحة والتي يمكنها أن تمدّ أوروبا باحتياجاتها من الغاز لمدة 20 عامًا. وستسمح منطقة شرق البحر المتوسط للمشترين الأوروبيين بتخفيض اعتمادهم على الغاز الروسي، والذي يمكن أن يتوقف أو يستمر تبعًا لمصالح موسكو الجيوسياسية.

لكن نظرًا لأنّ بعض أكبر المشروعات في طور الانتقال من مرحلة الاستكشاف إلى مرحلة الإنتاج، فإنّ التنافس بين البلدان في منطقة متقلبة بالفعل قد برز كعامل معقَّد في الاستغلال المستقبلي للحقول البحرية الغنية.

ويجب أن يدرك المديرون التنفيذيون لشركات الطاقة المتعثِّرة أنّ العثور على الحقول هو الجزء السهل مقارنة بالمناورات الدبلوماسية المطلوبة لطرح إنتاج تلك الحقول في الاسواق.

وتعد الأطراف الوطنية الرئيسية الفاعلة في تطوير ما يسمى بحوض المشرق هي إسرائيل ومصر وقبرص ولبنان. أما تركيا، التي تمتلك بالفعل شبكة أنابيب لنقل الغاز من الشرق الأوسط إلى أوروبا، فلها دور كبير هي الأخرى.

ومن بين أكبر الموارد البحرية، يبرُز اسم حقل ليفياثان الإسرائيلي، والذي تقوم بتشغيله شركة نوبل للطاقة، ومقرها هيوستن، وتشير التقديرات إلى احتوائه على 22 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي. وتخطط شركة نوبل المشاركة في المشروع من خلال مجموعة ديليك الإسرائيلية ومستثمرين آخرين لتسليم أول شحنات الغاز من الحقل في عام 2019.

ولا يفوق احتياطيات حقل ليفياثان سوى اكتشاف حقل ظهر البحري في مصر عام 2015، وهو أكبر اكتشاف للغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط.

كما تعد نوبل الشريك الرئيسي في تطوير حقل أفروديت البحري القبرصي وذلك في إطار اتفاقية تقاسم الإنتاج مع حكومة نيقوسيا. وفي عام 2015، باعت ثلث حصتها لشركة “” بريتش غاز””، المملوكة الآن لشركة شل.

وهنا تتعقد الأمور الدبلوماسية؛ إذ تحظى قبرص، بوصفها عضوًا في الاتحاد الأوروبي، بدعم كامل من الدول الشريكة لها في استغلال الغاز الموجود حول شواطئها وربما تصديره. وقد حضر مسؤولون في الاتحاد الأوروبي اجتماع الممثِّلين عن قبرص واليونان وإسرائيل وإيطاليا في تل أبيب في أبريل الماضي لتوقيع اتفاق تمهيدي بشأن مشروع خط الأنابيب الي سيربط بلدانهم بعضها بعضًا.

بينما تساءل بعض المحللين عمّا إذا كان المشروع يستحق الاستثمارات التي تزيد قيمتها على 6 مليارات يورو وعمّا إذا كان سيتم تنفيذه من الأساس، وخرجت إلينا تركيا للتشكيك في حقوق قبرص وللمطالبة بأن يمر أي خط أنابيب عبر أراضيها.

وتصرّ أنقرة على وجوب تقاسم جميع المنافع التي تجلبها حقول الغاز البحرية بالتساوي في جميع أجزاء الجزيرة، فما زالت قبرص مقسَّمة تقسيمًا واضحًا بين أجزاء تدعمها اليونان وأخرى تدعمها تركيا. وقد انهارت آخر محادثات بين الشمال والجنوب، والتي كان من شأنها أن تكون قد حلت هذا المأزق، في وقت سابق من هذا العام.

ويُذكر أنّ تركيا التي لديها نحو 30 ألف جندي متمركزين في شمال الجزيرة عززت الضغط خلال الصيف بإرسالها سفينة لمراقبة نشاط الحفر. كما استغل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كلمته في المنتدى العالمي للبترول الذي عُقد في شهر يوليو لتحذير شركات الطاقة من إبرام صفقات مع العاصمة نيقوسيا. وقال: “”إنّ شركات الطاقة التي تنخرط في خطوات غير مسؤولة اتخذها الجانب القبرصي اليوناني لا يمكن أن تُقابل بالتفهم أبدًا””. واضاف قائلًا: “”إنها قد تفقد صداقة تركيا””.

ومنذ ذلك الحين، تدفع أنقرة إسرائيل إلى استخدام نفوذها لتعزيز خيار خط الأنابيب التركي. وفي ظل تحسّن العلاقات بينهما بعد انهيار دبلوماسي موسَّع، تبدو إسرائيل مستعدة على أقل تقدير لدراسة الخيارات المتاحة أمامها. ويُذكر أنّ إسرائيل وتركيا على وشك الانتهاء من اتفاق حول خط أنابيب يربط بين البلدين، على الرغم من أنّ اسرائيل لم تتخل عن الخط البديل الذي يدعمه الاتحاد الأوروبي. ووصف وزير الطاقة الإسرائيلي، يوفال شتاينتز، كلا المشروعين بأنهما مهمان وقال: “”لا تجبروني على الاختيار””.

أما البلدان والشركات المشغِّلة فسيرضخون جميعًا للسعر على أية حال في مرحلة ما. وإذا كانت سلاسل التوريد المعقَّدة والسياسات الأكثر تعقيدًا في المنطقة تتسبب في زيادة أسعار الغاز عن الحد المعقول، فإنّ العملاء الأوروبيين سيواصلون حتمًا التعامل مع الروس، وهذا لن يكون في مصلحة أي طرف في شرق المتوسط.”