التكنولوجيا المتطورة تأخذ على عاتقها مستقبل ما بعد النفط

بدءاً من «المركز السحابي» الجديد المقترح إنشاؤه في المملكة العربية السعودية وصولاً إلى المشروع الذي تخطط له دبي والذي يتمثّل في وضع سلسلة سجلات مغلقة في قلب ما يسمى بواحة السليكون، نجد أنّ حكومات الشرق الأوسط تدمج أحدث التقنيات في قلب الخطط الرامية إلى تحويل اقتصاداتها.

ليس هذا فحسب، بل إنّ السعوديين يخططون لبناء مدينة ضخمة جديدة تماماً خالية من الكربون، والتي يُطلق عليها اسم «نيوم»، حيث يفوق عدد الروبوتات عدد البشر، وحيث ستُسلم البضائع عن طريق الطائرات المسيّرة بدون طيار وسيكون التعليم عبر شبكة الإنترنت.

وتشمل العوامل الدافعة وراء احتضان المنطقة للاقتصاد التكنولوجي: تضاؤل الاعتماد على مبيعات النفط والغاز التقليدية والتزايد المستمر في عدد الشباب؛ إذ إنّ أعمار أكثر من نصف عدد سكان الشرق الأوسط أقل من 30 عاماً والذين كانوا فيما مضى يبحثون عن وظائف في القطاع العام واسع النطاق.

إنّ أبناء جيل الألفية الشرق أوسطيين مترابطون وبارعون في أمور التكنولوجيا شأنهم في ذلك شأن نظرائهم الأمريكيين والأوروبيين والآسيويين. والآن، في ظل مشاركة الحكومة مشاركة أكبر، يزداد مشهد التكنولوجيا المتطوّرة تنظيماً يوماً تلو الآخر.

واحة دبي للسيليكون هي مركز تقني تبلغ مساحته 2.8 ميل مربع والذي دُشّن في عام 2005 بوصفه منطقة حرة مملوكة للحكومة. ويوفر المركز مساحة للمعيشة والعمل بهدف تشجيع الاستثمار الأجنبي وتلبية احتياجات الصناعات التكنولوجية.

بعيداً عن منطقة الخليج المزدهرة، توجد تطورات مماثلة. ففي الجزائر، حيث اشتكى أصحاب المشاريع في مجال التكنولوجيا في الماضي من العوائق التي كانت تحول دون زيادة حجم التمويل، دشّنت الحكومة مشروعاً للمدن الذكية بهدف تعزيز عمليات النقل والشراكات في مجال التكنولوجيا.

وفي المغرب المجاور، أنشأت الحكومة قرية «تكنوبوليس» الذكية بالرباط قبل عقد من الزمان للترويج لاقتصادها المعرفي في مجالات مثل الإلكترونيات والنانو تكنولوجي والتكنولوجيا الحيوية.

تمتلك منطقة الشرق الأوسط أيضاً خدمة للنقل التشاركي على غرار خدمة أوبر، وهذه الخدمة هي خدمة «كريم» والتي تعمل في 80 مدينة عبر 13 بلداً. في حين يهيمن «جملون»، متجر الكتب الإلكترونية العربي والذي أسسه أردني من أصل فلسطيني، الآن على سوق الكتب العربية على الإنترنت والذي تجاهله تجار التجزئة الدوليين على شبكة الإنترنت.

وتعتبر هذه الاتجاهات المتنوّعة ذات أهمية كبيرة للتنمية الاقتصادية للبلدان الأكثر فقراً والأكثر ثراءً على حد سواء. لكن رؤى مستقبل التكنولوجيا المتطوّرة لا تخلو من تحذير سليم من جانب بعض الخبراء الخارجيين ورواد الأعمال من أنّ الحكومات الإقليمية يجب أن تصحح أطرها التعليمية والتنظيمية والبنية التحتية بشكل صحيح إذا كانت تريد أن يُكتب النجاح لمسيرة تحوّلها الاقتصادي.

في بعض القطاعات، تسعى الحكومات إلى دعم الابتكار بدلاً من الاقتصار على اتباع النماذج الموجودة فحسب. وكانت الإمارات العربية المتحدة من أوائل الداعمين لشركة «فيرجين هايبرلوب ون»، وهي شركة تابعة لمجموعة فيرجين. وفي دبي هذا العام، كشفت الشركة النقاب عن نموذج أولي لكبسولة السفر فائقة السرعة والتي قد تنقل الركاب قريباً بين مدن الإمارات العربية المتحدة بسرعة تصل إلى 760 ميلاً في الساعة.

تهدف استراتيجية سلسلة السجلات المغلقة التي تنفّذها دبي إلى وضع جميع المعاملات الرسمية بدءاً من المدفوعات مروراً بتجديدات التراخيص ووصولاً إلى طلبات التأشيرات في دفاتر بيانات رقمية وذلك اعتباراً من عام 2020. وللعلم، فإنّ الغرض من الوعد بهذا المستقبل اللاورقي إنما هو يكمن في تيسير تأسيس الشركات الجديدة وإدارتها.

وبالمثل، دشّنت المملكة العربية السعودية هذا العام أول مركز للبيانات السحابية العامة بالشراكة مع شركة البرمجيات الألمانية ، كجزء من خطط المملكة للتحوّل الرقمي. وقد شمل هذا البرنامج تدريب 750 شاباً سعودياً كانوا عاطلين عن العمل.

قد يشكك من لديهم ذكريات مديدة في التزام الحكومات المعنية. ففي الماضي، تباطأت بعض الخطط العظيمة لتحويل الاقتصادات الإقليمية وخفض اعتمادها على النفط والغاز عندما استعادت أسعار تلك السلع عافيتها. لكن اتجاه الأسعار طويل الأجل لا يتوقف عن التدهور، وفي مواجهة تزايد عدد السكان وارتفاع مستويات البطالة بين الشباب، فليس أمام الحكومات خيار سوى الابتكار.

كتب رباح أرزقي، كبير الاقتصاديين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالبنك الدولي، وحافظ غانم، نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في تعليق حديث أنّ المنطقة لديها جميع العناصر اللازمة للتحوّل سريعاً إلى المستقبل الرقمي، والذي سيشمل العدد الكبير من السكان الشباب الذين هم على قدر جيد من التعليم والذين استخدموا بالفعل التقنيات الرقمية والمتنقلة على نطاق واسع.

وأضاف الخبيران بالبنك الدولي: «ويُبشّر الاقتصاد الرقمي بفتح طريق جديدة للتقدُّم والمضي قدماً، لكنه لا يزال في مراحله الأولى، ولا يزال الشباب يواجهون عقبات في طريق استخدام التكنولوجيا استخداماً منتجاً».