الشرق الأوسط يتصدى أخيراً لتحديات المناخ

في ظل ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية في المناطق الحارة التي تعاني جفافاً في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هذا الصيف، أصدرت الأمم المتحدة دعوة لاتخاذ إجراءات عاجلة من أجل حماية سبل العيش للملايين في الدول العربية التي تواجه خطراً شديداً من جراء تغيّر المناخ.

في شهر يوليو/تموز، الشهر نفسه الذي وجه فيه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تحذيراً جدياً في تقرير مؤلف من 90 صفحة بشأن التكيّف مع تغيّر المناخ في المنطقة، سجّلت محطة طقس جزائرية في الصحراء الكبرى درجة حرارة بلغت 51.3 درجة مئوية، وهو أعلى رقم على الإطلاق تم تسجيله رسمياً في إفريقيا.

وفي الوقت نفسه في شهر يونيو/حزيران، لم تنخفض درجة الحرارة في مدينة قريات الساحلية في سلطنة عمان خلال الليل إلى ما دون 42.6 درجة مئوية، والتي يعتقد أنها أعلى درجة حرارة صُغرى على وجه الأرض خلال يوم كامل.

سيتسبب ارتفاع درجات الحرارة في زيادة معدلات التبخّر، مما يزيد الضغط على إمدادات المياه في المنطقة التي تعاني بالفعل من فقر مائي مزمن. وشهد هذا العام دخول إسرائيل عامها الخامس من الجفاف، بينما في العراق أدى نقص المياه إلى لجوء الحكومة إلى حظر زراعة المحاصيل الصيفية على المزارعين.

ووفقاً لتقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، «يمكن اعتبار الإدارة البيئية المستدامة التحدي التنموي الأكثر جدية على المدى الطويل في المنطقة. فلم يكن هناك استثمارات تُذكر في تعظيم إسهام المياه الشحيحة بالمنطقة نحو زيادة الإنتاجية الزراعية».

ومع ذلك، توجد أمثلة، ذكر التقرير بعضاً منها، والتي منها أنّ الحكومات الإقليمية بدأت تتخذ إجراءات بالتعاون مع المنظمات الدولية المانحة ومع جامعة الدول العربية التي تضم 22 عضواً ومع القطاع الخاص.

وتشمل المبادرات مشاريع واسعة النطاق تنطوي على تحلية المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي. وللعلم، فإنّ نسبة لا تتجاوز 20 بالمائة من مياه الصرف في المنطقة يُعاد استخدامها حالياً. وتُعدّ الأردن ومصر من بين الدول التي أقامت شراكات بين القطاعين العام والخاص للتغلّب على ذلك التحدي. بيد أنّ مستثمري القطاع الخاص كانوا مترددين في المشاركة في قطاع المياه جزئياً بسبب انخفاض تعريفات الماء السائدة في معظم أنحاء المنطقة.

لكن تعريفات الماء هي الأخرى آخذة في التغيير. وحيث إنّ أسعار الماء الرخيصة تنزع إلى تشجيع الإسراف، باتت الدول الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية من بين تلك الدول التي تخفض إعانات المياه سعياً منها نحو خفض الاستهلاك وزيادة حجم الأموال المخصصة للاستثمارات المرتبطة بالمياه.

كما يرتبط التوجّه الإقليمي نحو الاعتماد على تكنولوجيا الطاقة الشمسية بمشكلة المياه. إذ يمكن استخدام مصادر الطاقة البديلة لتحلية المياه واستخراج المياه الجوفية، كما أنها تقلل بشكل جذري كمية المياه اللازمة لتوليد الطاقة من الوقود الأحفوري التقليدي. وفي الإمارات العربية المتحدة، كانت هناك سلسلة من التوصيات من جانب وزارة الطاقة وجمعية الإمارات للحياة الفطرية والتي دعت إلى فصل توليد الطاقة عن تحلية المياه من خلال إنشاء محطات لإنتاج المياه تعمل بالطاقة المتجددة.

وعلى الصعيد الخارجي، يستكمل المغرب العمل في محطة ضخمة لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية بتمويل من البنك الدولي على مساحة تعادل مساحة 200 ملعب كرة قدم في الصحراء جنوب البلاد، علماً بأنه يجري حالياً تنفيذ مشاريع مماثلة لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية في الأردن ودبي والمملكة العربية السعودية.

وعلاوة على هذه المشاريع الكبيرة، يحثّ الشركاء الدوليون للمنطقة، بما في ذلك الأمم المتحدة، الحكومات على دعم المبادرات الأصغر نطاقاً في أوساط المجتمعات الزراعية ضمن نهج تصاعدي «من القاعدة إلى القمة» بهدف التصدي لمشكلة تغيّر المناخ.

وينطوي ذلك على توفير الدعم التقني المحلي وحتى التمويل المتناهي الصغر للمزارعين الفقراء وذلك لتمكينهم من استخدام تقنيات منخفضة التكلفة نسبياً لمواجهة آثار تناقص الموارد المائية. وفي المجتمعات الريفية المعزولة، قدّمت الجهات المانحة مشاريع شمسية صغيرة لمساعدة المزارعين على ضخّ المياه الجوفية.

بدأت الأمور بالفعل تتحسّس طريقها نحو الأمام على الرغم من أنّ التقدم قد لا يزال يواجه عقبات بسبب وجود تحديات أخرى في الشرق الأوسط، بما في ذلك الاضطرابات السياسية التي تشهدها المنطقة. وأصبحت القضيتان مرتبطتان أكثر من أي وقت مضى؛ فالاضطرابات في سوريا تعود جزئياً إلى الجفاف الذي طال أمده والذي أجبر سكان البلاد على النزوح إلى المدن وزيادة الضغط على الموارد الحضرية. كما أنّ الحرب الأهلية في اليمن أدت إلى انعدام الأمن المائي بين أطرافها. وحذرت الأمم المتحدة من أنّ اليمن قد تصبح أول بلد عربي تنفد لديه المياه في حالة عدم اتخاذ إجراءات عاجلة.

لا يزال هناك طريق طويل يُقطع، لكن على الأقل يبدو أنّ الصيف الحارق قد جعل بعض العقول تنشغل بالمشكلات التي هي على وشك الحدوث.