كل صغيرة عظيمة ضمن خطط الشرق الأوسط للنمو الاقتصادي

لقد استحدثت الأعداد المتزايدة لخريجي الجامعات من أبناء الطبقة المتوسطة في القاهرة حلاً جديداً للتحدي المتمثل في تغطية نفقاتهم في ظل معدلات البطالة المرتفعة والاقتصاد منخفض الدخل؛ فلجأوا إلى إنشاء أكشاك لبيع الوجبات السريعة في شوارع المدينة.

بالنسبة لهؤلاء الشباب المصريين، يمثّل هذا الحل نهج العودة إلى الأساسيات من أجل كسب لقمة العيش.

وكما نعلم، فإنّ الاقتصاد التقليدي للشرق الأوسط تأسس على مثل هذه المشاريع الصغيرة، سواء أكانت أعمالاً حرفية عائلية حافظت على مكانها في أسواق مراكش أو القاهرة أو دمشق، أم ورشاً لتشكيل المعادن والتي فقدت الكثير من أعمالها ولا تزال تستخدم عدداً قليلاً جداً من العمال الذين ما زالوا يعيشون في المنطقة.

لكن في المقابل في أنحاء كثيرة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تأسس التطوّر الاقتصادي اللاحق على المركزية والسيطرة السياسية وهيمنة القطاع النفطي، وهو السيناريو الذي كان يفضّل الشركات الكبيرة على الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم.

على الرغم من أنّ الشركات الصغيرة والمتوسطة تمثّل نسبة تتراوح ما بين 80 و90 بالمائة من الشركات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإنه وفقاً لتقديرات البنك الدولي، نجد أنّ قطاع الأعمال التجارية الصغيرة كان مقيَّداً بعوامل مثل محدودية الوصول إلى الخدمات المصرفية والنظرة المحافظة إلى الدين والائتمان والتي كانت ترجّح كفة الشركات الكبيرة في عطاءات العقود الحكومية. ولك أنْ تتخيّل أنّ متوسط حجم القروض الممنوحة للشركات الإقليمية الصغيرة والمتوسطة الحجم لا يتجاوز​2 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أدنى مستوى في جميع أنحاء العالم.

وعلى الرغم من النسبة الكبيرة للشركات صغيرة الحجم، فإنّ مساهمتها في الناتج القومي الإجمالي لا تزال متواضعة نسبياً في المناطق الأكثر ازدهاراً في المنطقة: 22 بالمائة في المملكة العربية السعودية و20 بالمائة في الكويت و14 بالمائة فحسب في سلطنة عُمان، وذلك وفقاً لدراسة استقصائية حديثة.

ومع ذلك، كان هناك تركيز متزايد على دور الشركات الصغيرة والمتوسطة في سياق الإصلاحات الاقتصادية الموجّهة نحو تلبية احتياجات أعداد السكان المتزايدة في حقبة ما بعد النفط.

وأفاد تقرير حديث صادر عن «الشركاء المتحدون للاستثمار ش م خ»، وهي مؤسسة استثمار إماراتية، أنّ الاستراتيجيات الوطنية الهادفة إلى تسريع النمو الاقتصادي في المنطقة قد حوّلت وجهتها إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة. وقال التقرير إنه «يأتي ذلك على خلفية انخفاض احتياطيات النفط وعائداته، والتي كانت بمثابة دعوة لاستيقاظ حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن اعتمادها المفرط على احتياطاتها النفطية لتغذية اقتصادها».

ووفقاً للتقرير، فإنّ عدداً متنامياً من أصحاب المشاريع، والذين ساعدتهم السهولة بالقدر الأكبر في ممارسة الأعمال التجارية والإصلاحات الاقتصادية والأسواق المتنامية، ساهم في زيادة قيمة الشركات الصغيرة والمتوسطة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى 1 تريليون دولار أمريكي.

وقد دُشّنت مجموعة من المبادرات الإقليمية، بدعم من مؤسسات دولية مثل البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، بهدف تنشيط قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة الذي طاله الإهمال.

وتتراوح الأهداف بين شركات الفرد الواحد، مثل بائعي الوجبات السريعة المصريين، وشركات التشييد والخدمات متوسطة الحجم والتي توظف بضع عشرات إلى بضع مئات من الأشخاص.

واستهدفت برامج عديدة أيضاً دعم الشركات الناشئة صغيرة الحجم في قطاع التكنولوجيا. ويجري حالياً تشجيع الشباب المتعلمين، والذين ربما كانوا يتطلعون فيما مضى للعمل في مجال الخدمة الحكومية أو القطاع الحكومي، على تأسيس شركاتهم الرقمية. وتتراوح الإصلاحات الداعمة لنمو القطاع من تسهيل الأنظمة أو تحديثها حتى تحسين البنية التحتية المالية والتدريب.

في المثال المصري، على المستوى الأكثر تواضعاً لنطاق المشاريع الصغيرة والمتوسطة، تفاعلت الحكومة مع ظاهرة دخول الوافدين الجدد إلى مشهد الوجبات السريعة النابض بالحياة والفوضوي في الوقت ذاته في معظم الأحيان من خلال سن تشريع لتسهيل استخراج التراخيص وإنهاء الروتين الحكومي وتوفير مساحات مخصصة للبائعين.

وفي تصريح لمجلة «Egypt Today» التي تصدر باللغة الإنجليزية في مصر، قالت النائب سعاد المصري، عضو لجنة المشروعات الصغيرة والمتوسطة بمجلس النواب المصري، إنّ القانون مهم جداً للشباب لأنه يحد من أزمة البطالة من خلال مساعدة الشباب على بدء مشاريعهم الخاصة بميزانية تتوافق مع قدراتهم المالية.

ولقد تركّز الدعم في أماكن أخرى على التمويل المدعوم دولياً. فبموجب اتفاق أُبرِم في عام 2017، قدّم المصرف الأوروبي للإنشاء والتعمير قروضاً بقيمة 20 مليون يورو للشركات الصغيرة والمتوسطة، واصفاً إياها بأنها العمود الفقري للاقتصاد الوطني.

وفي منطقة لا يملك فيها حسابات بنكية إلا أقلية من الناس – وهو مستوى من بين أدنى المستويات على مستوى العالم – كانت ولا تزال المؤسسات الدولية أيضاً تقدّم حزماً تمويلية متناهية الصغر لتشجيع تأسيس شركات الفرد الواحد أو الأعمال العائلية الصغيرة بين بعض أفقر سكانها.

إنها مجرد بداية، لكن توجد مطالبات بتقديم المزيد والمزيد. وصرّحت السيدة مينوش عبد المجيد، الشريك المؤسس لشركة يونيون كابيتال مصر ومقرها القاهرة، لجلسة إقليمية شرق أوسطية للمنتدى الاقتصادي العالمي قائلة: إنّ الحماس تجاه قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة لم يرق تماماً إلى مستوى الاهتمام العالي الذي يحظى به. وأضافت: يجب على المنطقة أن تتجاوز مرحلة إلقاء الخطابات… وبدلاً من ذلك، يجب أن تواجه التحديات المختلفة، وأن تزيل العقبات، وأن تشجّع تنظيم المشاريع، وأن توفر أطر سياسات والتي لا تقف عند حد الكلام بل تتخطاه إلى اتخاذ إجراءات ملموسة على الأرض